الإشكاليات والشائعات حول لقاح أنفلونزا الخنازير
الإشكالية الأولى : أمريكا صنعت الفايرس .
أدلة الإشكالية : لا تتعدى تخمينات وتحليلات لمجريات الأمور ، وليست هناك دراسة محترمة قائمة على أساس بحث علمي رصين تؤيّد هذه الدعوى ، فمنهم من ربط هذا الحدث بالأزمة الاقتصادية العالمية ، على سبيل المثال لا الحصر أن هذه النظرية مدعومة بأدلة مثل :
1- هذا سيناريو هو بداية لترويج تطعيم إجباري قاتل وخطير .
2- دعاوى أن أمريكا نشرت جراثيم وفيروسات قاتلة سابقاً في أفريقيا .
الرد :
أولاً : كل حادثة تحصل يمكن لأي أحد أن يأتي ويفسرها اعتماداً على نظرية المؤامرة ، يتهم الطرف المغلوب فيها بأبسط أسلوب قوى خفية تآمرت في السر لتحيك الأحداث بشكل منظم ، فتحقق بذلك أهدافاً اقتصادية أو سياسية ..
سوى أن هذا الكلام ليس قائماً على بحث علمي محترم ، فهو يربط أموراً لا علاقة لها ببعض من ناحية ، وليست منطقية من ناحية ثانية ، ولا يمكن أبداً اعتبار مثل هذه الظنون والتخمينات دليلاً على الدعوى .
ففيروسات كثيرة كانت تنتقل بين البشر عن طريق التبرّع بالدم ، قبل أن تكتشف أو تتوفر الفحوص المخبرية لها ، ومن ناحية ثانية فماذا ترجو أمريكا من نشر المرض في دول الفقر والمجاعة في أفريقيا ؟
ثانياً : التفسير العلمي الطبيعي وراء تكون هذه الإنفلونزا .
تطور الفيروسات أمر طبيعي ، ويحدث كل عام في الإنفلونزا .. ولهذا يتم إنتاج لقاح جديد سنوياً .. واللقاح الواحد يحوي مجموعة من الفيروسات التي يرى العاملون عليها أنها الأكثر إنتشاراً في ذلك الموسم ..
يتم إعطاؤها لمن شاء في أمريكا .. وفي الصيدليات حتى .. بدون الحاجة للرجوع إلى طبيب ..
وفي نفس الوقت ينصح الأطباء بأخذها لمن هم في حاجة صحية أكبر لها .. مثل كبار السن والأطفال والحوامل ومرضى الجهاز التنفسي ..
الذي يحدث أن ترتيب جينات الفيروس يتغير مع مرور الوقت بسبب فعل التطور الطبيعي لأي كائن حي في عالمنا .. مثل البكتيريا التي تتطور لتملك مناعة ضد مضاد حيوي معين .. إلا أن هذا التطور يحدث بشكل أكبر بسبب صغر حجم المكون الجيني للفيروس .. ولذلك من الطبيعي أن تكون هناك سلالة جديدة كل عام ..
هذا الفيروس الحالي أخذ شيئاً من جينات فيروس الإنفلونزا لدى البشر .. وشيئاً من إنفلونزا الخنازير السابقة (غير الموجودة حالياً) وشيئاً من إنفلونزا الطيور .. تجمعت كل تلك الجينات في فيروس جديد وسبب هذه الضجة الحالية (1).
الإشكالية الثانية : كثير من الخبراء ومنسوبي القطاع الصحي في الغرب رافضون لتطعيم انفلونزا الخنازير .
الأدلة : أشارت بعض التقارير الصحفية إلى أن نسبة ليست بالقليلة من منسوبي القطاع الصحي في بريطانيا وأمريكا يرفضون التطعيم الإجباري لانفلونزا الخنازير ، وأن العديد منهم سيمتنع عن أخذها ، ومن تلك التقارير ما صرح به الصحفي وين مادسون لإحدى القنوات في مقابلة مصورة ، وكذا جاء في تقرير مشابه لصحيفة لوس أنجلوس تايمز .
الرد :
في البدء، من الخطأ القول أن كل الغرب يرفض التطعيمات .. بل هناك من يبحثون عنه ولا يجدونه لأن الكميات التي تم إنتاجها في المراحل الأولى غير كافية لتلقيح الجميع .. ولذا تم إقرار أن تكون الدفعات الأولى لمن هم في حاجة أكبر لها .. وبالفعل بدأ التطعيم في المدارس الابتدائية بأمريكا ولم نسمع عن مضاعفات خطيرة كما تتناقل وسائل الإعلام .
أما من يرفضون اللقاح فهم يرفضونه لأحد سببين:
- بعضهم يرفض اللقاح لأنه غير مقتنع بخطورة المرض فلا يرى حاجة لأخذ اللقاح أو دفع تكاليفه .
- وآخرون يرفضون اللقاح تخوفاً من مضاعفاته مثل ما هو حاصل في مجتمعنا .. أضف إلى ذلك أن هذا موضوع قديم في أمريكا .. ففي أمريكا من يرفض التطعيمات كلها وليس لقاح إنفلونزا الخنازير فقط .. وهؤلاء أفراد يروجون لمفاهيم خاطئة حول الطب الحديث دون أي دليل .. وقد يكون ذلك لترويج منتجاتهم "الطبيعية" تحت مسمى الطب البديل .
للأسف هذا أمر منتشر في أمريكا ويقوده أشخاص مشهورون مثل الممثل "جيم كاري" وإدعاءاتهم تتلخص في أن اللقاحات تحوي مواد ضارة تسبب مضاعفات خطيرة مثل مرض التوحد .
مؤخراً رفعت بعض العوائل دعاوى قانونية ضد اللقاحات بحجة أنها كانت السبب في إصابة أبنائهم بمرض التوحد .. إلا أن المحاكم المختصة رفضت تلك الدعاوى بعد فحصها وخرجت منها اللقاحات بريئة .. وهذا دليل كافٍ على أن تلك الدعاوى لا دليل عليها .
المؤسف أنه بعد ظهور الشائعات الأخيرة حول لقاح إنفلونزا الخنازير وجد الناس في كلام هؤلاء مصدراً لإثبات تلك الأكاذيب .. الأمر الذي سكب الزيت على النار . (2)
الإشكالية الثالثة : احتواء اللقاح على مادة الثايمورسال الثابت تسببها في أمراض الجهاز العصبي وبينها مرض التوحد لدى الأطفال .
الأدلة :
1- حسب نقل الصحفي وين مادسون أنه من الثابت طبياً تسبب هذه المادة في مشاكل بطؤ نمو الدماغ ومرض التوحد ومشاكل صحية أخرى .
2- المادة المذكورة تم منع استخدامها منذ سنة 2001 في أمريكا في تطعيمات الأطفال ، وذلك على خلفية قضايا رفعها بعض المتضررين في المحاكم .
3- مادة الثايمورسال تحتوي في 49% من مكوناتها على الزئبق .
الرد : الأدلة المذكورة أعلاه غير موثّقة علمياً ، بل هي مغلوطة وغير صحيحة .
أولاً ، لتكون المعلومات أكثر دقة :
1- المادة المذكورة موجودة في التطعيمات الروتينية للأطفال حول العالم ، وبالتحديد في تطعيمات مثل الدفيتيريا والتيتانوس .
2- في كل من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي ودول قليلة أخرى تم إلغاء الثيروموسال مؤخراً من التطعيمات الروتينية للأطفال ، يستثنى من ذلك تطعيمة الانفلونزا للأطفال فوق السنتين في الولايات المتحدة .
3- خارج أمريكا الشمالية وأوروبا ، الكثير من التطعيمات الروتينية تحتوي على الثيروموسال
ثانياً : حسب مركز السيطرة على الأمراض في أمريكا ، فإن إلغاء الثايمورسال من تطعيمات الأطفال هو إجراء احترازي ، لا لثبوت تسببها بمشاكل صحية .
ثالثاً : أيضاً حسب مركز السيطرة على الأمراض أن الدراسات العلمية أثبتت أن استخدام الثايمورسال كمادة حافظة في التطعيمات آمن ، وكذلك الأمر بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية ، وقد أكدت نتائج هذه الأبحاث ثلاث هيئات رائدة وثلاث جهات مستقلة أخرى في أمريكا .
رابعاً : احتواء الثايمورسال على الزئبق لا يعني الكثير هنا ، فقد ثبت عبر سنوات طويلة أنه لا توجد أي آثار تسمم لدى الأطفال والبالغين نتيجة لاستخدام الثايمورسال المحتوي على الزئبق كمادة حافظة للعديد من اللقاحات في شتى أنحاء العالم . (2) (3) (4)
الإشكالية الرابعة : مادة السكوالين
الأدلة : ثبت تورط مادة السكوالين في العديد من المضاعفات الخطيرة ، كالتسبب في العقم وضعف الذكاء وأمور أخرى ، حسب مقالة الدكتورة سارة ستون حول أسرار منظمة الصحة العالمية . (5)
الرد : إن من أشد ما تناولته الإيميلات والمنتديات في تهويل وتضخيم خطر لقاح انفلونزا الخنازير كان مقالة الدكتورة سارة ستون ، وبالتحديد في كلامها حول مادة السكوالين .
ولكن حقيقة واحدة حول مادة السكوالين تنسف هذه الإدعاءات الباطلة والكلام الخطير حولها ، فما بالك بجمع الحقائق الأخرى :
1- المادة بجرعاتها المضافة في التطعيم مقرة من قبل هيئة الادوية الامريكية. وتطعيمات الانفلونزا المحتوية عليه تعطى للاطفال كل سنة في امريكا منذ 1997 (أكثر 22 مليون تطعيمة اعطيت وتمت مراقبتها) بدون مضاعفات خطيرة. الدراسات اللتي اجريت عند الاطفال والرضع لم تظهر اي اعراض مقلقة .
2- السكوالين مادة طبيعية توجد في النباتات والبشر والحيوانات، في الانسان يصنعها الكبد وتوجد في دمنا دوما. كما توجد في انواع من الطعام ومستحضرات التجميل والادوية الاعتيادية. صناعيا يتم انتاجها من زيت كبد القرش. نعم المادة تضاف لبعض التطعيمات مثل تطعيمات الانفلونزا والملاريا لانها تزيد فعالية التطعيم.
3- إن الأساس في المقالة المذكورة لتورط هذه المادة في أعراض خطيرة هو ربط بعض الأعراض التي ظهرت على قليل الجنود الأمريكان في حرب الخليج ، والذي حسب المقالة تلقى لتطعيمات محتوية على السكوالين ، هذه مقدمة باطلة بالكامل ، فالتطعيمات التي تلقاها الجنود لم تكن محتوية على السكوالين أساساً . (6)
الإشكالية الخامسة : اللقاح تم إنتاجه في وقت قصير ولم يتم تجربته على الحيوانات
الرد : الجزء الأول من الإشكالية صحيح ، أما الثاني فلا ، نعم اللقاح أنتج في وقت قصير وهذا أمر طبيعي .. فكل عام يبحث العلماء الفيروسات التي انتشرت في فترتي الربيع والصيف ليكونوا بذلك لقاحاً جديداً ليستخدم ضد موجة الإنفلونزا في الخريف ..
الأمر الآخر .. العالم يحتاج إلى هذا اللقاح في أسرع وقت .. هل ننتظر أن تستمر الأبحاث حوله عاماً كاملاً ..؟! ولا يفصلنا عن موسم الإنفلونزا إلا أيام ..!!
ما الفائدة من التروي في إنتاجه إذا لم نستخدمه في الوقت الذي نحتاجه فيه ؟
ثم إن الباحثين قد أعلنوا منذ تم اكتشاف الفيروس أنهم بحاجة إلى 6 أشهر لينتجوا اللقاح .. وهذا ما تم بالفعل ..
أما ما يخص الجزء الثاني من الإشكالية ، فنقول أنه لا يمكن أن توافق مؤسسة الغذاء والدواء في أمريكا على أي دواء قبل أن تتأكد من سلامته .. وأحد خطوات التأكد من سلامته أن يتم تجربته على الحيوان والإنسان ..
مما يدل على ذلك تقرير شركة نوفافاكس ، وهو عبارة عن أول تقرير يثبت فعالية اللقاح في الحماية من المرض في حيوانات تدعى (فيريتس) Ferrets ، وقد تم نشر التقرير في شهر أغسطس الماضي ، وفيه شرح كيف تم تلقيح الحيوانات ومن ثم تعريضهم للفيروس (7) ، لذا فإن الدعوى بأن اللقاح لم تتم تجربته على الحيوانات لا تعدو تكهنات وتخمينات لا أساس لها من الصحة .
الإشكالية السادسة : إنفلونزا الخنازير لا تزيد خطورة عن الإنفلونزا العادية ولا حاجة للخوف
الرد :
أولاً : إن حياة الإنسان تأتي في قمة هرم الأوليات التي تشدد المبادئ الإنسانية والسماوية على المحافظة عليها ، وإنه يكفي حصول أعداد ليست بالقليلة من الوفيات (وصلت حسب آخر الإحصائيات إلى أكثر من 4 آلاف حالة وفاة بينها) ليبادر العاقل إلى اتخاذ سبل الحيطة والحذر لدفع هذا الضرر المحتمل .
ثانياً : حسب الإحصائيات الأخيرة ، قد يحمل فيروس انفلونزا الخنازير نفس النسبة من المخاطر والمضاعفات لتلك التي تسبب الإنفلونزا كل عام .. إلا أن السبب في خطورة إنفلونزا الخنازير أن عدداً كبيراً لا يملكون أي مناعة من هذا الفيروس بعكس الإنفلونزا العادية التي يحمل الناس - ولو جزء منهم - مناعة ضدها .. وبالتالي نتوقع إصابات أكثر .. ومضاعفات أكثر ، ونفس هذا الأمر يفسر أن الإصابات في الشباب أكثر من العجائز ، لأنهم معرضون للاحتكاك بالآخرين أكثر ، بالإضافة إلى أن نسبة لا بأس بها من العجائز تم اكتشاف وجود مناعة لديهم من المرض .. وقد يكون هذا بسبب تعرضهم للفيروس في الماضي .. الذي يعتبر جديداً على الجيل الجديد . (8) (9) (10)
ثالثاً : لابد من الإشارة بأنه على الأقل في بلادنا التي نادراً ما سمعنا بحصول وفيات لانتشار وباء واسع ، فإننا هذه المرة قد شهدنا وضعاً غير اعتيادي ، وصرنا نسمع بأخبار الوفيات بشكل شبه يومي ، مما خلق موجة من الفزع والتخوّف ضغطت على الجهات الرسمية بتأجيل بداية العام الدراسي الجديد .
الإشكالية السابعة : اللقاح له آثار جانبية
الرد : كل دواء له آثاره الجانبية .. حتى البندول .. بل حتى الأطعمة التي نتناولها كل يوم يمكن أن يكون لها آثار جانبية .. هل يعني ذلك أن نتركها ؟ طبعاً لا .
لو لم يكن للدواء فائدة مرجوة لما ظهر للعيان أصلاً .. ونحن علينا وزن المصلحة والضرر من كل دواء لنقرر أن نأخذه أو لا ..
حسب إدارة الغذاء والدواء : "الأعراض الجانبية المتوقعة من لقاح إنفلونزا الخنازير هي ذاتها الأعراض التي تصاحب لقاحات الإنفلونزا الأخرى .
اللقاحات التي تأتي على شكل حقن : ألم في موضع الحقنة هو أكثر المضاعفات حدوثاً .. إضافة إلى ذلك ، ارتفاع طفيف في درجة الحرارة ، آلام في الجسم ، إعياء لبعض الأيام .
اللقاحات التي تأتي على شكل رذاذ في الأنف : رشح أو احتقان بالأنف للكبار .. ارتفاع الحرارة لدى الأطفال .
وكما هو الحال مع أي منتج طبي، المضاعفات النادرة وغير المتوقعة قد تحدث .. إدارة الغذاء والدواء تعمل بشكل وثيق مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لمراقبة هذه الأحداث." (11)
المقالة تم إعدادها من قبل: (د. نايف الدبيس، د. هادي الشيخ ناصر، م. برير السيهاتي)
المراجع :
(1) المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية ، أحد المعاهد التابعة لوزارة الصحة الأمريكية http://www3.niaid.nih.gov/topics/Flu/Research/basic/AntigenicShiftIllustration.htm
(2) القضاء الأمريكي يرفض تهماً لتسبب الثايمورسال في مرض التوحد http://en.wikipedia.org/wiki/Thiomersal_controversy#Court_cases
(3) معلومات حول الثايمورسال http://en.wikipedia.org/wiki/Thiomersal
(4) مركز التحكم بالأمراض والوقاية منها http://www.cdc.gov/h1n1flu/vaccination/thimerosal_qa.htm
(5) مقالة الدكتورة سارة ستون في التحذير من لقاح انفلونزا الخنازير http://www.jimstonefreelance.com/squalene.html
(6) منظمة الصحة العالمية http://who.int/vaccine_safety/topics/adjuvants/squalene/questions_and_answers/en/index.html
(7) تقرير شركة نوفافاكس حول تجارب اللقاح على الحيوانات http://www.novavax.com/download/releases/H1N1Aug09.pdf
(8) موقع الانفلونزا ، تابع لوزارة الصحة الأمريكية http://flu.gov/individualfamily/about/index.html
(9) فيلاديلفيا انكوايرر ، قسم العلوم الصحية http://philly.com/inquirer/health_science/weekly/20091019_The_truth_about_swine_flu__Separating_fact_and_rumor.html?viewAll=y
(10) جديد انفلونزا الخنازير ، مركز التحكم بالأمراض والوقاية منها http://www.cdc.gov/h1n1flu/update.htm
(11) إدارة الأغذية والدواء الأمريكية http://www.fda.gov/NewsEvents/Newsroom/PressAnnouncements/ucm182399.htm